القرطبي
161
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن بعضهم وقفه ، ورفعه ( 1 ) من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته ، قاله أبو عمر وغيره . وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه ، وهو قول إسحاق ، فقف على هذين الأصلين فهما عمدة الباب ، وما أصح ما قيل فيه . وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا عينا أو وزنا ، ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل ، وحجتهم حديث ابن عباس ، قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم . ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم ، أخرجهما الدارقطني وغيره . وفي المسألة قول رابع ، وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال : لا تقطع الخمس إلا في خمس ، وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة ، وقال أنس بن مالك : قطع أبو بكر - رحمه الله - في مجن قيمته خمسة دراهم . وقول خامس : وهو أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا ، روي عن أبي هريرة وأبى سعيد الخدري . وقول سادس : وهو أن اليد تقطع في درهم فما فوقه ، قاله عثمان البتي . وذكر الطبري أن عبد الله بن الزبير قطع في درهم . وقول سابع : وهو أن اليد تقطع في كل ماله قيمة على ظاهر الآية ، هذا قول الخوارج ، وروي عن الحسن البصري ، وهي إحدى الروايات الثلاث عنه ، والثانية كما روي عن عمر ، والثالثة حكاها قتادة عنه أنه قال : تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد ؟ فاتفق رأينا على درهمين . وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك ، فإن قيل : قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير ( 2 ) ، فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير ، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام : ( من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص ( 3 ) قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) .
--> ( 1 ) حديث عائشة صحيح عند الأباضية مرفوع كما في مسند الربيع . وحديث المجن أيضا فيه عن أبي سعيد الخدري الآتي بأربعة دراهم إلا أن العمل بحديث عائشة . ( 2 ) من ع . ( 3 ) مفحص القطاة حيث تفرخ فيه من الأرض .